أبي حيان الأندلسي
25
البحر المحيط في التفسير
فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ « 1 » وفي موضع آخر : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ « 2 » . ومثبتو الرؤية تمسكوا بقوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 3 » والآخرون ، بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 4 » . ومثبتو الجهة بقوله ؛ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ « 5 » وبقوله : عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 6 » والآخرون بقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 7 » فكيف يليق بالمحكم أن يرجع إلى المرجوح إليه هكذا ؟ انتهى كلام الفخر الرازي . وبعضه ملخص . وقد ذكر العلماء لمجيء المتشابه فوائد ، وأحسن ذلك ما ذكره الزمخشري . قال : فإن قلت : فهلا كان القرآن كله محكما ؟ قلت : لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال ، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللّه وتوحيده إلّا به ، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء وإتقانهم القرائح في استخراج معانيه ، ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة ، والعلوم الجمة ، ونيل الدرجات عند اللّه ، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللّه ، ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره ، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ، ففكر وراجع نفسه وغيره ، ففتح اللّه عليه ، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ، ازداد طمأنينة إلى معتقده ، ودقة في إتقانه . انتهى كلام الزمخشري ، وهو مؤلف مما قاله الناس في فائدة المجيء بالمتشابه في القرآن . ولما ذكر تعالى أول السورة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ذكر هنا كيفية الكتاب ، وأتى بالموصول ، إذ في صلته حوالة على التنزيل السابق ، وعهد فيه . وقوله : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ إلى آخره ، في موضع الحال ، أي : تركه على هذين الوجهين محكما ومتشابها ، وارتفع : آيات ، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد ، ويجوز ارتفاعه على الابتداء ، والجملة حالية . ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة ، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة ، وأما قوله : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأخر صفة لآيات
--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 5 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 88 . ( 3 ) سورة القيامة : 75 / 123 . ( 4 ) سورة الأنعام : 6 / 103 . ( 5 ) سورة النحل : 16 / 5 . ( 6 ) سورة طه : 20 / 5 . ( 7 ) سورة الشورى : 42 / 11 .